عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

127

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

فليكن قلبك فيمن أنت بين ظهرانيه ، فإنّي بينما أنا نائم ذات ليلة في المقابر تفكرت في شيء ، فإذا أنا بصوت يقول : إليك يا غافل ! إنّما أنت بين ناعم في نعمته يتذلل ، أو معذب في سكراته يتقلب . وبإسناده عن صالح المري ، قال : دخلت المقابر يوما في شدة الحرّ ، فنظرت إلى القبور خامدة كأنهم قوم صموت ، فقلت : سبحان اللّه ! من يجمع بين أرواحكم وأجسادكم بعد افتراقها ، يحييكم وينشركم من بعد طول البلى . قال : فناداني مناد من بين تلك الحفر : يا صالح : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ [ الروم : 25 ] ، قال : فسقطت واللّه لوجهي جزعا من ذلك الصوت « 1 » . وبإسناد له ، أن عمر بن عبد العزيز خرج مع جنازة ، فلما دفنها قال : دعوني حتى آتي قبور الأحبّة . قال : فأتاهم ، فجعل يدعو ويبكي . إذ هتف به التراب : يا عمر لا تسألني عمّا فعلت بالأحبة . قال : وما فعلت بهم ؟ قال : مزّقت الأكفان ، وأكلت اللحم ، شدخت المقلتين ، وأكلت الحدقتين ، ونزعت الكفّين من الساعدين ، والساعدين من العضدين ، والعضدين من المنكبين ، والمنكبين من الصلب ، والقدمين من الساقين ، والساقين من الفخذين ، والفخذين من الورك ، والورك من الصلب . قال : وعمر يبكي ، فلمّا أراد أن ينهض ، قال له التراب : يا عمر ألا أدلّك على أكفان لا تبلى ؟ قال : وما هي ؟ قال : تقوى اللّه والعمل الصالح . وبإسناده ، أن أبا الدرداء مرّ بين القبور ، فقال : يا تراب ما أسكن ظواهرك ، وفي داخلك الدواهي « 2 » . وبإسناد له ، عن ميمون بن مهران ، قال : خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقابر ، فلما نظر إلى القبور بكى ، ثم قال : يا أيوب هذه قبور آبائي بني أمية ، كأنهم لم يشركوا أهل الدنيا في لذاتهم وعيشتهم ، أما تراهم صرعى فدخلت بهم المثلات ، واستحكم فيهم البلاء ، وأصابت الهوام في أبدانهم مقيلا ، ثم بكى حتى غشي عليه ؛ ثم أفاق فقال : انطلق بنا ، فو اللّه ما أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور ، وقد أمن من عذاب اللّه عزّ وجلّ . وعن ثابت البناني ، أنه دخل المقابر فبكى ، فقال : بليت أجسامهم ، وبقيت أخبارهم ، فالعهد قريب ، واللقاء بعيد . وعن بعض الأعراب أنه وقف على قبر وأنشد في المعنى : لكلّ أناس مقبر بفنائهم * فهم ينقصون والقبور تزيد

--> ( 1 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في « القبور » ( 13 ) . ( 2 ) المصدر السابق ( رقم : 101 ) .